على هامش مهمة



الصحافة هوامش في عدد من المهمات على مدار السنوات، لكنها تعلِّمنا فن الممكن.
فتيحة زماموش

” في العام 2005 ، كانت لي مهمة صحفية ، لمتابعة قضية الاحتجاجات التي شهدتها عدة ولايات شرقية من بينها ولاية باتنة وأم البواقي وخنشلة ، ولايات تتنفس من رائحة جبال الأوراس، كثيرون هناك خرجوا للتنديد بالتهميش والبطالة و” الحقرة ” ، في ظل انعدام بعض ضرورات الحياة في مناطق نائية في بلديات” بابار ” والحامة ” و” بوحمامة ” وغيرها من من المناطق ، غضب شعبي تخللته حرق للعجلات المطاطية وقطع الطرقات وحرق لمقرات مؤسسات عمومية وإدارات، انها ” انتفاضة ” بمعنى الكلمة .
احتجاجات مواطني هذه المناطق ، لم تكن من فراغ ولم تكن من العدم ، وقتها لم تكن لدي الخبرة الكافية لتلمس أسباب الحراك الاجتماعي وخلفياته ومن كان وراء الشرارة الأولى لإشعال ذلك البركان النائم في قلوب المواطنين ، خصوصا وأن صوتهم لم تكن تُسمع مثل اليوم ، ولم تكن تصل لأعلى السلطة سوى عن طريق ما تكتبه بعض الجرائد ماهو مسموح بنقله عبر شاشة التلفزيون والإذاعة العموميتين .
في تلك الفترة ” الذهبية ” في مجال الإعلام ، لم تكن وسائل التواصل الاجتماعي متاحة ، وقتها لم يكن ” فيسبوك ” أو ” تويتر ” و” الانستغرام ” موجود أصلا ، فضلا عن أن المشهد الإعلامي في الجزائر يفتقد لقنوات سمعية بصرية خاصة مثل اليوم ، ولم يكن للمواطن نافذة تتيح له أن يدلي بصوته مثلما أتاحته اليوم عدد من القنوات عبر منابر إعلامية اسمها ” الشعب يريد ” أو ” ما يطلبه الجمهور ” أو ” صريح جدا ” ، منابر تسلّم الميكروفون للمواطن في الشارع ” ليفرغ ما في جعبته ” ، ويستفيض بشكواه للعلن وأمام الملايين من الجزائريين ، وقتها لم تكن الصورة عبر هواتف محمولة ويكون لديك المباشر وأنت في قمة الجبل ، وقتها كانت فقط ” الكلمة الحرة ” عبر عدد من الصحف لكن تقيّدها بعض الشروط والخط الافتتاحي لكل صحيفة.
تذكرت هذه المهمة العسيرة، ومشاهد لازالت عالقة في ذهني لأناس من الزمن الجميل:
امرأة في العقد الثامن اسمها أم هاني ، استقبلتني في بيتها بمدينة عين مليلة ، واستضافتني ضيافة لن أنساها مادمت على قيد الحياة ، كيف لا وهي التي لا تملك سوى دجاجتين تنتظر أن يبيضا لتأخذ البيض لدكان الحي ، وتعطيه البيض ويسلم لها مقابله خبزا أو سكرا أو قهوة ،لأول مرة أتذوق قهوة مطهية في إبريق وعلى الحطب ، وكم كانت العجوز رحمها الله سعيدة بوجودي ، تتكلم تارة باللهجة الشاوية وتارة أخرى بالعربية وهي تردد على مسامعي “زارتْنَا البَرْكَة ” ، كما أنها علمتني فن طبخ كسرة الرَّخْسِيسْ بالشعير على الحطب أيضا ، لم تتركن أغادر بعد أن سمعت أنني قدمت في مهمة لولايات الشرق الجزائري ، قائلة لي :” أظنك شاوية من ملامحك ” ، ضحكت كثيرا ، وحتى أجعلها في أريحية قلت لها بلى أنا كذلك ، فقط أنا خليط جزائري .
استمعت إليها بآذان صاغية وهي تحكي عن أمجاد الثورة الجزائرية ، تخيلتها كم كانت جميلة في شبابها ، لازالت وفية لزوجها رحمه الله ، وكم هو جميل أن يتعلق فؤاد امرأة بتاريخ صنعته هي وأخريات في منطقة الأوراس وفي كل ربوع الجزائر، معلنة في الأخير أنها تريد الموت في سلام.
تذكرتها اليوم، وسأتذكرها بإذن الله غدا وبعد غد وبعد سنوات، فقط لأنها علمتني أن “المرض ألم مُذِلْ لا يُحْتمل ولكن الموت يُنْهي كل شيء ” ، تركتها الوحيدة هو بيت من قرميد وأواني نحاسية وألبسة تقليدية ، ولكنها أخذت معها دعوات من دخلوا بيتها ، حيث يظل فنجان القهوة وخبزة الشعير شاهد عليها .
تذكرتها اليوم ، لأن الكثير من السفريات أو المهمات تُنْسِي الصحفي بأن يستغل اللحظات مع أناس بسطاء ، يملكون الحكمة والبصيرة ، يلتقي بهم على هامش مُهِمة صحفية ، تنتهي الأخيرة وتستقر الأوضاع ولكن تبقى أم هاني وغيرها بالآلاف في الذهن يسجلون كم هي الصحافة هوامش خلال المهمات ، تعلِّمُنا فنّ المُمْكِنْ .


إقرأ بقية المقال على الجزائر 24.



مواقع أخرى